محمد أبو زهرة
1281
زهرة التفاسير
وإن هؤلاء الذين لا يؤدون الأمانة المادية إلا بهذه المطالبة الدائمة ، والملازمة المستمرة - هم الذين لا يتركون التضليل كما أشرنا ، فلا يأمن أهل الحق شرهم إلا برقابة مستمرة لمنع تضليلهم ، وفتنة الناس عن دينهم ، ثم هم يخونون العهود ، وطالما خانوا النبي صلى اللّه عليه وسلم في حروبه مع المشركين ، حتى اضطر لإجلائهم عن المدينة وما حولها . وإن هؤلاء يبررون خيانتهم للأمانة المادية بقولهم كما حكى اللّه سبحانه وتعالى عنهم : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . أي ذلك الامتناع عن وفاء الحق ، وأداء الأمانة والإذعان لبواعث الهداية الذي هو أداء الأمانة المعنوية سببه زعمهم الذي قالوه ، ونطقوا به وهو أنهم ليس عليهم سبيل أي تبعة أو ملام أو عتاب في شأن الأميين وأموالهم ، وهذا معنى قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ فالأميون هم العرب ، وسموا أميّين ؛ لأنهم لم يكن عندهم علم ولا حضارة ، وكانت تغلب عليهم الأمية ، وهي الجهل بالكتابة والقراءة ، فكان هذا الاسم لهم لغلبة الأمية عليهم ؛ ومعنى سبيل حجة ملزمة ؛ لأن السبيل هو الطريق ، وهو يطلق بمعنى الحجة باعتبارها طريق الإلزام وتحمل التبعات ، وقد قال الزمخشري في تفسير هذه الجملة السامية لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي لا يتطرق علينا عتاب وذم في شأن الأمّيين ، يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب ، وما فعلنا بهم ما فعلنا من حبس أموالهم والإضرار بهم ؛ إلا لأنهم ليسوا على ديننا ، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ، ويقولون لم يجعل لهم في كتابنا حرمة ، وقيل : « بايع اليهود رجالا من قريش ، فلما أسلموا تقاضوهم قالوا ليس لكم علينا حق ، حيث تركتم دينكم » . وإن هذه أخلاق الذين يظنون في أنفسهم العلو المطلق ، ويستخدمون ذلك الظن الباطل ، لأكل أموال الناس بالحق ، وليفسدوا في الأرض وهو ما عليه أهل أوروبا ؛ يقومون بالحق في بلادهم ، ويثبتون دعائمه في عشائرهم لا يضيع عندهم